الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
88
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وأنفسهم عليهم السّلام التي لا علم لأحد بها إلا له تعالى حيث إنها النفوس الملكوتية الإلهية ، بل هي ذات اللَّه العليا ، التي خلقها وهي حقيقتهم وشجرة طوبى ، وسدرة المنتهى ، وجنة المأوى لا يصل إليها أحد ، وهي حقيقة ولايتهم التكوينية ، التي لها التصريف والتصرفات الكونية ، ومن كان كذلك فكيف يحتمل في حقّه خلاف الأمانة ، واللَّه العالم الهادي إلى الحقّ المبين ؟ ومنها : أنّ قلوبهم لا ريب في كونها محل مشيّة اللَّه تعالى وإرادته ، وإنما جعلها محلا لهما لما ائتمنهم عليها وعلم تعالى أنهم لا يشاؤن ولا يريدون إلا ما شاء وأراد اللَّه تعالى ، وبالملازمة ينفى عنهم خلاف ما أراد وشاء ، فقال تعالى في حقّهم : عباد مكرمون . لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون 21 : 26 - 27 ( 1 ) وقال تعالى : وما تشاؤن إلا أن يشاء اللَّه 76 : 30 ( 2 ) وقال تعالى : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون 21 : 28 ( 3 ) فهو تعالى حفظهم أن لا يجدوا لأنفسهم ولا لشيء من ميولاتها ولا لشيء من مشياتها اعتبار وجود ولا وجود اعتبار ولا ينظرون إليها بالاستقلال أبدا . ففي تفسير البرهان ، بإسناده عن أبي الحسن الثالث عليه السّلام قال : " إنّ اللَّه تبارك وتعالى جعل قلوب الأئمة موردا لإرادته ، وإذا شاء شيئا شاؤه وهو قوله وما تشاؤن إلا أن يشاء اللَّه 76 : 30 " . فعلم أنه ليس في نفوسهم المقدسة ما يوجب خلاف الأمانة ، فهو المؤتمنون على دينه كما يحبّ اللَّه ويرضى . وأما وجه الإضافة إلى الرحمن دون ساير صفاته تعالى ، لأن الرحمن كما تقدم اسم دال على الرحمة الواسعة ، التي وسعت كلّ شيء وكلّ أحد برّا كان أم فاجرا ،
--> ( 1 ) الأنبياء : 26 - 27 . . ( 2 ) الإنسان : 30 . . ( 3 ) الأنبياء : 28 . .